الشيخ محمد رشيد رضا
41
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فقال أو وقال ولكنه عطف تبليغ نوح ( ع م ) قبلها بالفاء ( لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ) الآية وقد بينا الفرق بين هذا الوصل وما بعده من الفصل في قصة هود عليه السّلام والحاصل ان لدينا هنا عطفا بالفاء في قصة نوح وعطفا بالواو في قصة موسى وفصلا بيانيا في القصص التي بينهما يشبهه الفصل في قصة موسى في سور أخرى وله نظائر كثيرة . فأما الأول فعطف التبليغ فيه على الارسال بالفاء لإفادة التعقيب وعدم جواز تأخير تبليغ الدعوة . واما الفصل في القصص بعده فلانه لما صار هذا معلوما وكان ما جرى من امر قوم نوح عبرة لقوم هود وكانا معا عبرة لقوم صالح وهلم جرا - حسن في كل قصة من هذه الفصل على أنه جواب لسؤال مقدر ، كان قائلا يقول في كل منها ما ذا كان من امر هذا النبي مع قومه ؟ كما تقدم بيانه . واما الأخير الذي نحن بصدده فوجه العطف فيه وكونه بالواو هو أنه قد قفي في قصة موسى هنا على ذكر إرساله إلى فرعون وملئه بذكر نتيجة هذا الارسال وعاقبته بالاجمال وهو قوله تعالى ( فَظَلَمُوا بِها ) الخ ، وبدئت القصة بعده بتفصيل ذلك الاجمال ومقدمات تلك النتيجة ، فكان المناسب أن يعطف عليها لا ان يستأنف استئنافا بيانيا لما هو ظاهر من الاشتراك بين المقدمات والنتيجة ، أو بين التفصيل والاجمال - وأن يكون العطف بالواو لا بالفاء لان الفاء تدل على التعقيب والترتيب وهو لا يصح هنا لأنه يقتضي أن تكون المقدمات متأخرة عن النتيجة وذلك باطل بالبداهة ، فتعين أن يكون العطف بالواو ، وهذه دقة في البلاغة لا يهتدى إلى مثلها الا غواصو بحر البيان ، ولا يكادون يجدون فرائدها الا في أسلوب القرآن ، وأعجب للامام الزمخشري كيف غفل عنها إذ لم يتعرض للمسألة من أصلها وحكمة بدء القصة بذكر نتيجتها والعبرة المقصودة منها ، هي - واللّه أعلم - أن تكون متصلة بما يناسبها من العبرة في القصص التي قبلها ، من حيث إهلاك معاندي الرسل عليهم السّلام جحودا واستكبارا ، وقد ذكرت هذه العبرة بعد جملة تلك القصص لتشابهها مبدأ وغاية كما تقدم ، وقصة موسى ( ص ) طويلة فهي تساويها في هذا من حيث رسالته إلى فرعون وملئه فقط . وفيها عبر أخرى فيما تشابه به أمر خاتم الرسل ( ص ) من حيث إرساله إلى بني إسرائيل وإرسال محمد خاتم النبيين إلى العرب وسائر البشر وتوفيق اللّه قومهما للايمان